المغرب بلد التاريخ والحضارة

منتدى التاريخ المغربي بإمتياز
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  دخول  

شاطر | 
 

 المختار السوسي شاعرا وعالما ومؤرخا

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد العلي
Admin
avatar

عدد الرسائل : 19
العمر : 34
تاريخ التسجيل : 28/12/2006

مُساهمةموضوع: المختار السوسي شاعرا وعالما ومؤرخا   الأحد أبريل 29, 2007 8:46 am

بسم الله الرحمن الرحيم


المختار السوسي شاعرا وعالما ومؤرخا

محمد العثماني


مجلة الكلمة من إصدار جمعية علماء سوس العدد 1 السنة 1، محرم 1391هـ/فبراير 1971م، ص. 15-19.

عمل الإنسان ترجمة نفسه
قيل له يوما:"ترجمت لكل عالم و فاضل في إقليم سوس، و لكنك أغفلت نفسك، و لماذا لم تضع لحياتك ترجمة؟" أجاب الأستاذ على الفور: "هذا العمل كله إنما هو ترجمة نفسي و قصة حياتي".
كلمة ذات مدلول كبير، لان العمل يدل على صاحبه اكثر مما يدل على موضوعه و يعطيك صورة المنتج قبل أن يعطيك صور الآخرين، فكثير من أصحاب العظمة التاريخية لا نتصورهم على الحقيقة إلا بواسطة أعمالهم وآثارهم،لا بما قال عنهم المؤرخون والناقدون الذين يقعون في الغالب تحت تأثير ظروف خاصة و مواضعات اجتماعية معينة، فكم تاريخ مصطنع قلب الحقائق و دلس على الواقع ن و كم حمد أو ذم كان مبعثهما الهوى و التعصب، أما عمل الآنيان فلا يعكس - في غير ارتياب واحتمال - الأنفس صاحبه، ثم يعكس في الدرجة الثانية بعض الجوانب لشخصيات من تناولهم ذلك العمل مع شيء قليل من أو كثير من الشك و ضعف الاطمئنان، فلو صح كل ما كتب حول الحوادث و الناس لا نقطع كل جدال، و لفقد النقد لحركته أفسح مجال.
فابن خلدون في المفكرين العباقرة نعرفه أحق المعرفة بواسطة إنتاجه الذي تعرض فيه لتاريخ الأمم القديم و الوسيط و لسائر الحضارات، و عالج فيه كل المعارف التي وصل إليها الإنسان في حينه، نعرفه اكثر مما نعرف من تحدث عنهم، و نطمئن -كذلك- إلى تلك المعرفة أقوى ما نطمئن إلى معرفته بما كتب حوله النقاد و الباحثون.
و المتنبي في الشعراء العمالقة نتصوره و نلمس شخصيته العبقرية خلال شعره الخالد، نصوره تصورا لا يرقي إليه تصورنا لسيف الدولة الذي رضي عنه الشعر حينا كل الرضى ثم رضي عنه حينا آخر عض الرضى، كما لا يرقى إليه تصورنا لكافور الذي رسم له أبو لطيب أولا صورة ملك رحيم، ثم في الأخير ابروه في صورة شيطان رجيم.
لذلك لم يبعد الأستاذ المختار، ولم يعد الحقيقة حين قال كلمته كجواب للسائل المستغرب، فإنتاجه الضخم يشرح لنا شخصيته أكثر مما يشرح مادته وموضوعه، يتراءى من خلاله أديبا و عالما و مؤرخا فوق ما يتراءى لنا من تناولهم بالترجمة و النقد أدباء و علماء و أشخاص تاريخ، و قد يكون في تراجمه و أبحاثه إخلال هنا و إسراف هناك، و قد يكون فيها إنصاف و اعتدال، و لكن لا نجد أي احتمال في ظهور شخصيته كما هي بجوانبها المتعددة و طابعها المميز.
شجاعة أدبية
وأول ما يبرز منها الشجاعة الأدبية و مظهر هذه الشجاعة انه لا يضن على قارئه بكل خواطره و مشاعره، كما لا يكبت نفسه أو يغالب طبعها، بل يرسلها على سجيتها فيتحدث عن إحساساته في طبعية بلا تصنع و لا مواربة، و كثيرا ما يكتب كما كان يتحدث بلا تهيب و لا حذر، و مثل هذا لا يتيسر لكل أحد، فهناك من المثقفين من يتوفرون على القدرة على الإنتاج و لكنهم لا يتوفرون على مثل هذه الشجاعة فيخافون من النقد، و يتهيبون الموقف فيحجمون عن العمل، ثم يصابون ــ وهم في أخذ و رد مع أنفسهم، و في تردد بين الأقدام و الإحجام ــ بجمود القريحة و الشلل الفكري.
ومن المثقفين من لا يجرؤ على عرض إنتاجه إلا مع شكوك و وسوسة، و بعد عناء شديد في الفحص والتنقيح، لا ينشر مقالة أو قصيدة أو قصة حتى يبلغ منه الجهد، أما إذا غلبت همته نفسه فحملته على إنتاج بحث موضوعي و عرضه على الناس فستقوم قيامته و تزهق روحه.
لونان هما غالب جمهور علماءنا و مثقفينا، أما اللون الثالث الذي كان أديبنا في طليعته فهو نادر ثمين، واندر منه أن يكون المثقف المنتج مدركا لنقاط الضعف و جوانب القصور في إنتاجه فيعلن عن ذلك مع نشر الإنتاج كما كان أستاذنا يفعل، مثله مثل تاجر صادق يعرض بضاعته الجيدة في جوهرها مع عيوب شكلية يدل عليها فيها.
قال في مقدمة كتابه القيم( إيليغ قديما و حديثا) بعد ما أشار إلى عدم تطاول يده إلى ما كل يريد من مراجع التاريخ و مصادر البحث:
-" و هذا كله خير عذر أقدمه للقارئ الذي لابد أن يلمس بيديه نقصا غير قليل إذا ظهرت لعينيه ثلم شتى كلما سار فيه بالمطالعة، و سبر بحوثه المتتابعة بمسبار التمحيص، و لكني ازعم - و ما أبرئ نفسي - أنني فتحت باب الموضوع على مصراعيه "
وقال في الكلمة التي قدم بها كتابه " سوس العالمة ":
" إنني ما عدوت أن جمعت ما تيسر جمعا بسيطا كيفما اتفق، بقلم متعثر، و أسلوب لا يزال يتبع خطا أساليب القرون الوسطى، إلا أنني لا أنكر أنى حاولت فتح الباب فبذلت جهدي، و افرغن وسعي، فكم من غلك لابد أن يقع لي، و كم من تحريف أو تصحيح اسم لا جرم واقع فيه..."
كذلك يتحدث أستاذنا عن إنتاجه الفياض الذي كان يعجل بتدوينه و تقديمه إلى القارئين و الباحثين، لأنه يخاف علبه الوأد و الضياع و حرمان المكتبة العربية من تراث علمي و أدبي و تاريخي لا يعوض بثمن، و لا كان في مقدور كل مثقف جمعه و إحياؤه.
لست هنا أنوه بالسطحية و الفوضى في الإنتاج، و لا بالصخب و ثرثرة الأقلام، و لكني أنوه بالشجاعة الأدبية بعد أن يملك صاحبها أدواتا من النضج الفكري و المعرفة الشمولية و الملكة الخلاقة في التعبير عن الأغراض بلسان مبين.
فالأستاذ دون نزاع تمكن من ناصية البيان، و اقتعد في اللغة العربية أعلى مكان، و رزق موهبة مغبوطة في المنهجية و طرق البحث لتي يعتقد بعض الجامعيين انهم يحتكرونها، و خير مثال لذلك بحثه حول (إيليغ) و تاريخها السياسي و الاجتماعي قديما حديثا.
إلا أن هناك عوامل طبعت اكثر إنتاج الأستاذ بسمات التلون في المضمون و الشكل و أهم هذه العوامل.
1) الطابع الموسوعي الذي يتسم به إنتاجه، فهو واسع الأفق غزير المادة، وأكثر مواده ( خام ) لم تتناولها يد باحث، و لا دونت بتنسيق في كتاب.
2) غرضه أولا حياء تراث ضاع، و ثانيا توفير المصادر لمن يجدون نشاطا و رغبة في البحث، فلو نقى كل إنتاجه مما لا يلائم البحث المنهجي لضاع أهم المصادر لهذا البحث نفسه،والى ذلك أشار في آخر كتابه " سوس العالمة ":
"و على من يأتون أن لا ينظروا إلى كل ما جمعته إلا نظرة من يجد بين يديه بعض المصادر، ثم عليه أن يجتهد حتى ييسر مصادر أخرى..."
3) تأثير بيئات مختلفة في تكوين شخصيته الثقافية، فقد نشأ في بيئة دينية علمية محافظة، و في وسط أدبي تقليدي، إذ كانت نشأته الأولى في زاوية والده شيخ التربية الصوفية، و في معاهد سوس العلمية الشديدة التمسك بالأصالة في تعليم اللغة العربية و التمرس بآدابها ، ثم انتقل إلى معاهد مراكش، فإلى لقرويين بفاس، فإلى الرباط في خاتمة مطافه، و في هذه البيئات المتنوعة - بالإضافة إلى رجالات العلم الذين احتك بهم و هم مختلفو المشارب و المعارف - تكونت له شخصية تأثرت بتلك البيئات كلها.
شاعر مثالي
هكذا تكونت له شخصية مركبة لها عدة ألوان و جوانب و كل جانب منها على الخصوص بما تأثرت به شخصيته عموما من عوامل النشأة و البيئات التي سبق ذكرها، و ابرز هذه الجوانب شخصيته الشاعرية، فقد كان شاعرا موهوبا مع قدرة عجيبة على التعبير الشعري و اقتناص القافية، و على سوق المعاني الرائعة و الصور اللامعة مع الارتجال أن كان هناك دواعي الارتجال.
و لكن هل يكفي أن نقول :انه شاعر كبير مطبوع، أو شاعر قدير مصنوع فنتبين مكانته بين الشعراء و نعرف قيمة إنتاجه في نيا لشعر ؟
الواقع أن الأسئلة التي تطرح نفسها لتحديد مكانته كشاعر و قيمة شعره شكلا و مضمونا يحتاج جوابها إلى تفكير طويل و لسان أطول، فتتشابه الأشكال و تلتبس النظائر، غير أنى اختار منها ــ رعيا للمقام ــ أخف كلفة و أهدى إلى الهدف، و ادعى إلى الإيجاز، فماذا اختار ؟
شعره في نظري ثلاثة أقسام:
الأول تأثر فيه بالمدرسة الإلغية التي كان لأدبين اثر فيها، و هما الأدب الأندلسي و الأدب العباسي في عصوره الأخيرة، و يرجع ذلك إلى اهتمام تلاميذ هذه المدرسة منذ نشأتها بدراسة أدب الأندلس بصفة خاصة، و الأدب العباسي بصفة عامة، و قراءة الكتب و الدواوين لهذا الأدب أو ذاك، و لا اعني انم قطعوا صلتهم بآداب العصور و الأقاليم الأخرى، بل إنهم - لسبب آخر - جذبهم ذلك الأدب الزاخر بالألوان الطبيعية و الصور الشعرية المنمقة، فحكوه و نسجوا على منواله، و قوى هذه الجاذبية شيوع هذا الأدب لا في سوس و حدها بل في المغرب عموما، حيث تركت حضارة الأندلس و آدابها آثارا عميقة حتى اليوم.
وليس غرضي الآن أن افتح باب البحث في الأدب الأندلسي، و ما كان له من لثر بالغ في الاتجاهات الفكرية و الأدبية بالمغرب، و لكني أريد - فقط - أن أؤكد ببيان و برهان، أن قسما كبيرا من شعر أديبا الكبير ذو ألوان و إيحاءات أندلسية، و يغلب على هذا القسم و صف الطبيعة و ما فيها من حركة و سكون و مال لا يتذوقه إلا ذو شعور مرهف و عاطفة جياشة، و قد أوتى شاعرنا من ذلك حظا وافرا، فكان ينشط للتملي بالمناظر الطبيعية و يرتاح لجمالها، فتستثير شعوره و تحرك وجدانه، فيمنح لها من نفسه و وقته ما يكفي لتصويرها و تشخيص جمالها الفاتن.
رأى ذات يوم "أبزو" الجميلة فوصفها بشعر رقيق يفيض بنفح طيب أندلسي يقول في أوله
أهذي جنان الخلد أم هذه أبزو منى كل نفس لو يدوم بها الفوز؟
وفي هذه القصيدة التي لا تخلو من رقة و جمال - رغم أن صاحبها قل من أهميتها - بيت يشهد بما كان للأدب الأندلسي من اثر في شعره الطبيعي، و إلا لماذا اختار لن يكون ابن خفاجة مثله فعبر عن متمناه البعيد قائلا :
فيا ليت لي من منطق ابن خفاجة فيغدو بالوصف المشخص لي فوز
و رأى ذات صباح في منفاه الأول بسيط "إلغ" مغطى بملاءة بيضاء من الثلج المشع فصور المنظر الجميل في قصيدته التي بدأها بهذا البيت :
ماذا آري من لم يحكم بالرائي ثلجا يشع بلونه الوضاء
وبعد أن رسم الصورة و وضعها في إطارها الجميل فقال:
إني التفت رأيت ابيض ناصعا شرك العيون و فتنة للرائي
وزار قرية تمنارت بجنوب سوس فراعه جمال النخيل الباسق و المياه الدافقة تنساب في جداولها فقال في أول قصيدة لا تقل روعتها عن روعة المنظر:
تمنارت يا أرض المياه الدافقة و ربوع الفاف النخيل الباسقة
وكل هذه القصائد ذات نفس طويل، وانسياب شعري رتيب، وإيقاع موسيقي جميل، و شعره في هذا الباب غير قليل.

يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://attarikh.orgfree.com
عبد العلي
Admin
avatar

عدد الرسائل : 19
العمر : 34
تاريخ التسجيل : 28/12/2006

مُساهمةموضوع: رد: المختار السوسي شاعرا وعالما ومؤرخا   الأحد أبريل 29, 2007 8:47 am

القسم الثاني نحا فيه منحى الشعر العربي القديم بجزالته و غرابة ألفاظه، و متانة تراكيبه و أكثره في الوصف أيضا، و اعتقد انه في هذا القسم وحيد بين لداته، لتضلعه في اللسان العربي، و تمكنه من لصياغة أصلية لكثرة ما مارس من المحاولات و المحاكاة، و دراسة نصوص الأدب العربي القديم دراسة تفهم و تعمق.
و مطولاه في هذا القسم شاهدة بذلك، و أشير إلى اثنتين منها فقط، الأولى بائيته التي يقول في أولها :
إليكم بني أمي أثيب ركائبي فيل ليت شعري هل أنا خير آئب
و هو فيها يخاطب أهل "إلغ" مسقط رأسه اثر نفيه إليه، و يسجل فيها ذكيات طفولته و يصف ملاعبه و أنواع اللعب التي كان يمارسها مع لداته من الأطفال، و قد وفق في ذلك إلى حد بعيد.
و الثاني قافيته التي يصف فيها جفنة " العصيدة " و قد قدمت إليه ذات مساء في منزله بالمنفى، وقد استطاع أن يتناول العصيدة بوصف دقيق، و يحلق في تصوير شعوره و هو يتشهاها و يسيل لها لعابه حتى كانت لديه ألذ من الفالوذج و أطيب مأكول، و مطلع القصيدة :
لمن جفنة قد أقبلت تتألق تلوح بلألاء العصيدة يبرق ؟
القسم الثالث مال فيه إلى التجديد في الأفكار و الأسلوب مح حذر و اقتصاد، و إذا كان للتجديد اليوم مفاهيم متعددة قد يخرج بعضها عن نطاق الشعر العربي فأنا لا أعني من ذلك شيئا، و إنما أعني التجديد الطبعي التدرجي الذي يلحق الأدب في كل عصر، و يتأثر فيه بالآداب الأجنبية - كما تأثر به - دون أن يذوب فيهل.
الجديد الذي اعني هو صقل الديباجة و اختيار الألفاظ الملائمة للغة العصر و الأساليب الشائعة، والتعبير عن أفكار و أخيلة لا تخرج عن نطاق المجتمع و اهتماماته.
و يخل في هذا القسم ما انشده في النوادي الأدبية أيام الانبعاث الأول للروح الوطنية، كما يدخل فيه ما خاطب به تلامذته في مراكش يستنهض هممهم و يحفزهم إلى الآخذ بأسباب الحياة الأدبية الجديدة.
و بعد، فما هي ملامح شعره؟
أكثر شعره و أجوده غارق في الوصف، و الوصف من أدق الفنون الأدبية وأشدها نفورا من الأقلام، لأنه تصوير و تشخيص، و استحضار الصور الذهنية أو الخارجية على ما هي عليه من خطوط و ألوان و ظلال، و هو معيار التوازن بين شاعر و شاعر، و أهم مقاييس الإبداع.
و قد أشرت فيما سبق إلى بعض النماذج و المواضيع التي تناولها بالوصف، و أشير هنا - فحسب إلى أن وصفه يمتاز بالاشتفاف واستقراء جزئيات الصورة و خطوطها الدقيقة، وقد يعمد أثناء وصفه إلى سرد قصصي كما فعل في رثاء لشهيد بعرس أحد الوطنيين بمراكش، و في وصف طريق نفيه الأول.
و فيما عدا ذلك طرق - بتفاوت - جل فنون الشر القديمة، يمدح - مثلا - و لكن مدحه لا يدخل إلا في باب الإخوانيات ومساجلة الأدباء، يرثي لكنه لا يحلق في رثائه، و ذلك راجع - على ما اعتقد - إلى طبيعة المرح و التفاؤل لغالبة غليه، و قد يمدح ماجدا فيجيد، ثم يرثيه فلا يجيد.
لذلك كان يحجم عن رثاء الكواكب اللامعين، لأنه يعلم أنهم يستحقون كثر مما عنده، مات شوقي و حافظ - بعدما قراهما و اخذ بروعة شعرهما - فلم يرثهما، و قد شاهد الأدب العربي يؤبنهما و يبكيهما، و مات شكيب أرسلان فلم يرثه، و قد بكاه العالم العربي، و كان لديه من المفضلين
قرأ لي قصيدة شاركت بها في المأتم الذي أقامته سوس الأدبية عل ى أديبها الراحل الأستاذ احمد اليزيدي، فكتب إلى في رسالة مرفقة بقصيدة الضافي في رثاء الفقيد :
( قرأت قصيدتك .. و هاك قصيدة في الموضوع، و هي لكهل فاتر الشعور ليس له مثل فورتك، و لا حبى بمثل ما أوتيت أيها الشاعر المفوه ).
و ما وردت هذه الفقرة من رسالته البليغة إلا لأضع خطا تحت قوله و هو يعني ما يقول : (ليس له مثل فورتك).
إن كفته في الحزن و النظر إلى الحياة بمنظار اسود شائلة، و الحزن و عذاب النفس من المنابع الفياضة للرثاء، و الانفجار لا يأتي إلا من الضغط، وأقوى ما يكون الانفجار أن يتولد عن ضغط داخلي.
فإذا كان المقام لا يسمح باستقصاء البحث فسأعرج على بعض السمات و الملامح التي يمتاز بها شعره، ثم لا أقف لديها إلا قليلان كما لا أذكر منها إلا اثنتين و ما: المرح و الوقار، أما المرح فيعود إلى طبيعته الانبساطية فهو اجتماعي جذاب و انبساطي إلى ابعد حد، و إن كان يزعم - وهو يتحدث عن نفسه - انه من الانطوائيين و هذا المرح أضفى على شعره إشراقا و خفة روح يحس بأثرهما قارئه و يملان نفسه هزة و انشراحا، و من مظاهر مرحه مواضيع شعره المحبة إلى شعوره، كمناظر الطبيعة الضاحكة، و ملاعب الأطفال و مناغاتهم، و مجالس الأدباء و الطلبة ومآدب الأصفياء ..
أما الوقار فيعود إلى خلقه الديني و مركزه الاجتماعي كعالم، فهو شاعر و عالم.و لذلك خلا شعره من الغزل و خرائط الجمال الجسدي، إلا ما كان من لمسات متناثرة هنا و هناك، و لعل أهم ما يميز شعره ووقوعه تحت تأثير روحين تتجاذبانه روح الشعر و روح العلم، وإن كانت الأولى هي الطاغية عليه.
و قد وصفت شعره منذ عشرين سنة فقلت في قصيدة:
ضم الجديد إلى القديم تحديا فتشابهت في شعره الأعصار
ونسمت روح الخيال خلاله و من الطبيعة روحها المعطار
وتجسمت صور الحقيقة و انجلت فيه جلالة عالم و وقار
عالم سلفي
كذلك يرينا الأستاذ محمد المختار نفسه أديبا مندلعا، و شاعرا ممتازا فيخال من نظر إليه من هذه الزاوية انه شاعر كفى، و أن الشعر غايته التي ينشد الوقوف لديها و لكن سرعان ما ينظر إليه من زاوية أخرى فيرى عالما أخذ علوم الحديث و التفسير و أصول الفقه و ما إليها عن أكبر العلماء في عهده، فكان خير مثال لما كان عليه علماء المغرب قديما حيث إنهم لا يقنعون بشعبة واحدة من شعب العلم، فكان المثقف المغربي آنذاك يعني: عالما و أديبا و شاعرا و كاتبا و ربما موسوعيا، و قلما نجد في تاريخ الأدب المغربي كاتبا أو شاعر لا يلم بشتى لعلوم و لا يجول في مختلف مجلات المعرفة مما أضفى على الأدب المغربي سمة خاصة أخرجته - أو كادت - عن دائرة الفنون الجميلة.
محدث فقيه درس الصحيحين و يدرسهما و درس أصول الفقه و فروعه و ينظر في الخلاف العالي، و في نفس الوقت يقول الشعر و يصدر دواوين الأدب، يندر وجوده إلا في المغرب، ولعل الهمم العالية - بالإضافة إلى عوامل أخرى معروفة - هي التي جعلت أدباء المغرب دوائر معارف لا خطوطا أفقية أو عمودية.
و شاعرنا العالم ضرب الرقم القياسي في هذا الاتجاه، حتى انه كان يتضايق أحيانا من تحليته بلقب شاعر و بالأخص إذا كان المقام يدمج في مفاهيم الشاعر معنى العبث و المجون و خلع العذار.
و قد تأوه ذات يوم بعد ما أرسل تأملاته فرأى - كما قال - مقامه في العلم دون المدى الذي يريد، فقال في فاتحة قصيدة :
تسف عزيماتي و إن فاقت الشعر إذا كان أعلى ما أحاوله الشعرا
يرى العنب المسكى أزكى حلاوة عريض قفا ما ذق في عمره خمرا
و قبل ذلك حاول أن يودع الشعر لغاية أخرى يتهيأ لها شباب العرب الناهض حينذاك، وهي تحرير الأوطان فقال في خاتمة قصيدة:
سلام على الشعر حتى أرى شعوب العروبة لا تضهد
و لكن الشعر لم يرد أن يودعه بعد، فلم تستطع شواغل التحرير و لا شواغل العلم أن تصرفه عنه.
هكذا كان محمد المختار امتدادا لعهد الثقافة المغربية الأصيلة، فأحيى عمليا ذكرى ذلك التاريخ المجيد، و زاد فأضاف إليه تكوينا شخصيا و اختيارات ذاتية حطم بها قيود التقاليد المانعة من الانطلاق، و سدود التربية البالية التي تحجب الرؤية عن الآفاق.
قرأ للائمة لسلفيين فكان عالما سلفيا، ثم اختار من أولئك أقواهم و أعقهم و أشدهم تمسكا بالسنة فهذب سلفيته و نقاها من رواسب البيئة ، و شوائب التقاليد المجتمعية، فانكب على مؤلفات علماء الإسلام و أساطينه أمثال الإمام الشاطبي، و الإمام ابن حزم، و الإمام ابن تيمية، والإمام ابن القيم، و لعل الإمام الأخير هو الذي ألقى لديه عصا التسيار في آخر مطاف. فالتزمه التزاما ، و ناجاه طويلا في كتبه النفيسة من: زاد المعاد، و مدارج السالكين، إلى (بدائع الفوائد) ذلك الكتاب الذي يقل نظيره في تاريخ الثقافة الإسلامية.
اختيار الأستاذ - إذن - كان موقفان و الاختيار مقياس العقل و آية المدى الذي بلغه صاحبه في الوعي الفكري و ألمعية الفهم، و قديما قيل :
قد عرفناك باختيارك إذ كا ن دليلا على اللبيب اختياره
مؤرخ موسوعي
إن الاختيارات تدل على اقدر أصحابها ومهوى أفئدتهم و عقولهم، ما في ذلك شك، إلا أن هناك ما هو أقوى دلالة على ذوي النفوس الكبيرة منهم، و هو (أزمة الغاية) إن صح التعبير ذلك انهم يطلبون أشياء بعيدة وأشياء أبعد من العيوق كما يقول العرب، فيدركون منها ما يقف أمامه ذوو النفوس العادية مشدوهين، و هي في الواقع دون ما يطلب أولئك الكبار: كبار الهمم و النفوس، لأن الغايات بالقياس إليهم إنما هي مراحل يقطعونها ثم لا يقفون لدى واحدة، فكل غاية بداية أخرى لدى هؤلاء الناس، ثم ينتهون و لا تنتهي غاياتهم، و ينقضون و لا يقضون ما يشتهون، في حين أن سواهم ينال ليلا يحسبه كثيرا فيرضى، و يكون في بداية يخالها فيستريح.
و لعل اصدق شعر وأقدس حكمة عبرا عن هذه الفكرة قول أبى لطيب :
و إذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام
هذا ما جال في خاطري و أنا استعرض في مخيلتي حياة الأستاذ المختار و المراحل التي مر بها حتى المرحلة التي انقطع فيها لتدوين التاريخ و كتابة المذكرات، و هي المرحلة الفاصلة في حياته، و كان من الصعب عليه أن ينقطع أيامئذ إلى ما نقطع إليه من بعث تراث مجيد، و إحياء تاريخ إقليم سحب عليه الزمان أذيال النسيان، كان من الصعب عليه، لأنه غارق في شو اغل الدرس و المشاركة في تهييئ الشباب لأخذ زمام المبادرة و تسجيل الملحمة الوطنية الكبرى، و لكن الله إذا أراد أمرا هيأ أسبابه، و من الأسباب ما يسر، و منها ما يؤلم، و من الأسباب التي هيئت له - على ما في ظاهرها من خشونة - نعمة كبرى مزدوجة، و هي أسباب النفي، فيها نعمة للإقليم الذي أحياه، و نعمة للأستاذ نفسه، لأنه وجد نفسه في المنفى، و وجد فيه فراغا و نشاطا للبحث و الكتابة، فلم يكن فيه قابعا يجتر الهواجس و يصارع الأشباح كما وقع لكثيرين عادوا من منفاهم بشرف وطني، و لو يعودوا بشيء آخر، و ربما خسروا أشياء، و لكنه عاد هو من منفاه و قد كلل بشرف وطني و توج بمجد علمي.
في المنفى كتب ذلك الإنتاج الضخم الذي أعاد إلينا مرة أخرى عهد الموسوعات التاريخية و الأدبية، والذي بورك فيه حتى عجزت المطابع أن تلفظ أكثر من نصفه في سنوات.
و قد سابق الزمان إتمام طبعه و تبييض ما بقي في المسودات وهو كثير، فانهمك في ذلك - إلى جانب مهام رسمية آخر طوق بها - حتى قبضه الله إليه فجأة مأسوفا عليه على الصعيد الوطني و الإسلامي ولسان اله يقول :
تلك آثارنا تدل علينا فانظروا بعدنا إلى الآثار
ذلكم هو الرجل الذي أراد - بعدما روض نفسه على فنون الأدب - أن يكون شاعرا فكانه، ثم أراد - و قد اخذ بحظ وافر من علوم التشريع الإسلامي - أن يكون عالما فكانه، ثم صمم في الأخير أن يكون مؤرخا فكتب اكثر من خمسين مجلدا في أقل من خمس و عشرين سنة في تاريخ إقليم لم يسبق له ضبط أو تنسيق، و لا كان في جمعه لأحد قبله مثل ما كان له من لتوفيق.
إرادة سخرت من التخصص و المتخصصين، وأكدت أن التخصص والسعي إلى غاية واحدة في ميدان المعرفة آية العجز والقدرة المحدودة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://attarikh.orgfree.com
 
المختار السوسي شاعرا وعالما ومؤرخا
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المغرب بلد التاريخ والحضارة :: الأقســـام والمنتديــات :: المسالك والممالك :: أعلام مغربية-
انتقل الى: