المغرب بلد التاريخ والحضارة

منتدى التاريخ المغربي بإمتياز
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  دخول  

شاطر | 
 

 سكان البلاد العربية الأقدمون واللغة التي كانوا يتكلمون بها و

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أزار غزلان
Admin


عدد الرسائل : 49
تاريخ التسجيل : 27/10/2006

مُساهمةموضوع: سكان البلاد العربية الأقدمون واللغة التي كانوا يتكلمون بها و   الخميس ديسمبر 28, 2006 4:17 am

****** محب الدين الخطيب ******


لقد كان من نصيب عصرنا الحاضر استنباط النظريات المعقولة والآراء المبنية على قواعد علمية في السكان الأقدمين للبلاد التي تنطق الآن باللغة العربية ولا سيما في آسيا الغربية: فالعيلاميون والأثوريون والآراميون وبنو عامر وأنسالهم من القحطانيين وغيرهم؛ كل هؤلاء جالت في عروقهم دماء واحدة ، وتناسلت أدمغتهم وقلوبهم من أرومة واحدة ، وهي الأرومة السامية. وكانوا كلما بارك الله في عددهم يتوسعون في البلاد ، إلا أنهم ظلوا أبناء جنسية واحدة حريصة على أنسابها ، وأبناء بلاد واحدة لا تفصل بين قبائلهم فيها أرض أجنبية. وكلما انفردت طائفة منهم عن أختها زادت حاجات الزمان والمكان كلمات جديدة على لهجتها فافترقت بذلك عن اللغة الأولى ببعض المفردات وبشيء من صفات التلفظ بها ؛ ومع ذلك فإن مجموع لهجات هذه الشعوب السامية ظلت محافظة على أصلها الجامع بينها. فجميع هؤلاء السكان هم من دم واحد ، قد اتصلت أنسابهم ، وتجاورت مساكنهم ، واجتمعت أقطارهم ، وتشابهت لهجاتهم ، فليس ثمة من تفاوت إلا بمقدار ما يؤثر اختلاف الحاجات على مفردات تلك اللهجات ، واختلاف الأقاليم على ألوان البشرة ، كما هي الحال الآن في سكان هذه البلاد نفسها.

سَمِّ هؤلاء الأقدمين من سكان البلاد العربية الحاضرة (ساميين) إذا شئت ، أو (عمالقة) إن أردت، أو بما ترى من الأسماء ، فالعناوين لا تغير الحقائق. ولكنك لا تستطيع بحال من الأحوال أن تنكر عليهم تلك الحقيقة الناصعة ، والقضية الثابتة المقررة ، وهي أنهم جميعاً أبناء أسرة واحدة ، متحدرة من أرومة واحدة ، ومتوطنة أو متنقلة في أقطار متصلة تتألف منها ساحة واحدة لا يفصلها على الخريطة فاصل غريب عنها.

كذا شاء الله أن نكون: فنحن أمة واحدة إن لم يكن أبناؤها إخوة من أب واحد فهم عمومة يرجعون بعد ذلك إلى أصل واحد.

وكذا شاء الله أن نكون: جيراناً نتلقّى عن خريطة بلادنا درس اتصالنا واجتماعنا في وطن واحد.

وكذا شاء الله أن ننطق بلسان مهما تعددت لهجاته ـ قبل الأنبياء وبعد الأنبياء ـ فإنه كان ولا يزال ابن لغة واحدة ، منذ وجدنا في أزل الآزال إلى أن نبيد في أبد الآباد.

هذا شأن اللغة السامية الأولى أمّ لهجاتنا الغابرة في زمن النشوء ، وشأن لغتنا العربية الحديثة أمّ لهجاتنا الحاضرة في زمن النشور ، وهذا أيضاً شأن المتكلمين بهما من عصر البداية إلى دور التمام: صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة !

أتى على سكان الأوطان العربية ـ من شمالها إلى جنوبها ـ حين من الدهر لم يكونوا ينطقون بهذه اللغة العربية التي نتكلم بها اليوم ، ولا كانوا يعرفون اللغة السبأية ، ولا اللغة الآرامية ، التي تسمى أيضاً الكلدانية والسريانية ، ولا اللغة الفنيقية ، ولا شقيقتها العبرية ، ولا اللغة النبطية ، ولا شيئاً من اللغات المتفرعة عن ذلك كله.

ولم يكونوا قد اخترعوا القلم المسند في اليمن ، ولا الخط المسماري في العراق ، ولا الهيروغليفي في مصر ، ولم يُوجِدوا الأبجدية الفنيقية ثم السريانية والعبرية والنبطية والصفوية في ربوع الشام.

كان أجدادنا في أقدم عصورهم يتكلمون بلغة واحدة انقرضت بجملتها لا بمفرداتها ، فلم يعد يتكلم بمجموعها أحد من ذراري أولئك الأجداد: إن المواد الاشتقاقية الأكثر مفردات هذه اللغة السامية الأولى لا تزال موجودة إلى يومنا هذا ، غير أنها متفرقة فيما تفرع عنا من اللغات ـ أو اللهجات ـ السامية ، سواء في ذلك ما بقي منها حيّاً نضيراً ـ وفي مقدمته لغتنا العربية الشريفة ـ وما انطوى خبره مع العصور الأولى فلم يعد يلفظ به إلا عند قراءة ما نقش منه على الأحجار والآثار.

ولأجل أن يعرف جمهور الناطقين بالضاد كيف كانت أجدادهم واحدة ، ثم أوجدت بينها حاجات الزمان والمكان اختلافاً في بعض المسميات ، وتفاوتاً في صفات التلفظ بها ، إلى أن عادت اللغة العربية فحلت محل جدتها السامية ، في أنها اللغة العامة للجميع ؛ نورد لهم بعض الأمثلة القريبة المأخذ ، وهي تنطق بأفصح لسان دالة على مبلغ القرابة فيما بين اللغات السامية كما تدل على قرابة الأمم التي كانت تتكلم بها.

خذ لك كلمة (أب) التي بمعنى الوالد ، فإنها من المواد الأصلية التي توجد في كل اللغات السامية ، وذلك مما يدل على وجودها في اللغة الأولى المنقرضة ، فورثتها عنها اللهجات التي تفرعت منها. وغاية ما في الباب أن لفظ (أب) يختلف قليلاً في بعض اللهجات عنه في البعض الآخر: فالمتكلمون بالآرامية العراقية كانوا يلفظون هذه الكلمة بألف مفتوحة بعدها باء مشدودة مفتوحة أيضاً وفي آخرها ألف ملساء. وهذا التشديد في حرف الباء عارض لتوالي الفتحتين. أما المتكلمون بالآرامية الشامية فليفظونها بألف ممدودة بعدها باء مخففة مضمومة وفي آخرها ألف ملساء أيضاً.

و(الأنف) في العربية والبابلية بلفظ واحد ومعنى واحد، وكذلك في العبرية والسريانية ، إلا أنها قد سقطت منها النون فيهما.

و(العنب) في العربية والبابلية بلفظ واحد ومعنى واحد. وورد في العبرية والسريانية ساقطاً منه النون أيضاً.

وكلمة (خنع) العربية ـ ومعناها خضع وذل ـ يقابلها عند الكلدانيين (كنع) بمعنى خزي. وهذا اللفظ نفسه كان العبريين والفنيقيين بمعنى ركع ووطئ ، ومنه (أرض كنعان) أي الأرض السفلى ، يقابلها (أرض أرام) أي البلاد العالية. وبالعربية (الأرم) بمعنى الحجارة تنصب علماً في المفازة. وهذه المادة أخت (ورم) العربية أيضاً بمعنى انتفخ ، يقابلها بالعبرية والفنيقية (روم) بمعنى ارتفع.

وفي باب العدد كلمة (الثامن) بالعبرية ، فإنها باللغتين المصرية والفنيقية تلفظ (أشمون) أي الثامن. وكلمة (ثلاث) العربية فإنها بالسريانية (تلات) وبالعبرية (شلاش) ومثل ذلك كثير.

وعلى ذكر إبدال الثاء العربية بالتاء بالسريانية وبالشين في العبرية نقول: إن كلمة (الثدي) موجودة بمعنى واحد في عدة لغات سامية ، غير أن السريان يقولون( تدا) والعبريين يقولون (شدا) . وفعل (يثب) العربي ورد في السرياني بلفظ (يتب) وبالعبري (يشب) ولذلك يسمي العبريون الأثوريون (أشوريين) وقد يأتي في السريانية عكس ذلك أحياناً: عوضاً عن أن يبدلوا الثاء العربية تاء كما تقدم يبدلون التاء العربية ثاء ، ومن ذلك قولهم (أثا) بمعنى (أتى) أي جاء ، وقد ورد هذا اللفظ في الرسالة الأولى التي أرسلها بولس ـ حواري السيد المسيح عليه السلام ـ إلى أهل كورنتس في قوله (16 : 22) : (ماران أثا) .

وكان العرب يسمون يوم الجمعة (العروبة) وهو بالسريانية (عروبتا) وبلغة الأنباط (أربا). و(القسور) بالعربية يقابله بالفنيقية (قشور) أي قوي شديد .

ومن إبدال السين شيناً فعل (سأل) بالعربية فإنه ورد بالسريانية والعبرية بلفظ (شال). و(السبط ) بمعنى ابن الابن وابن البنت يوجد في العربية والمصرية القديمة ولغات سامية أخرى. قال العلامة أحمد باشا كمال رحمه الله عليه: إن هذه اللفظة وجدت في نصائح (بتاح حتب) ووجدت على جدران مقبرة (أمست) بمعنى ما جاءت له في العربية.

و(صهر) بمعنى طبخ وأذاب وردت في اللغتين العربية والمصرية بمعنى واحد. و(البيعة) بمعنى المعبد في العربية. وردت في المصرية في ورق أبوت 1 10/16 المؤشر عليه برقم 10221 في متحف انكلترا وفسروها بمعنى الجبانة ، ولكن أحمد كمال باشا يرجح أنها بمعنى المعبد كما دلّ عليه السياق.

ومادة (زبر) و(ذبر) و(سفر) كلها واحدة بمعنى كتب. قال أحمد كمال باشا : إنها قد تنوع لفظها في العربية وفي النصوص المصرية. قال : وهذا القلب والإبدال في الحروف له أصول متبعة في اللغتين المصرية والعربية ، والسبب فيه تعدد القبائل ولهجاتها.

وبالعربية (نسع) بمعنى ذهب في الأرض. وهذا الاشتقاق وارد في العبرية ، ومثله الفنيقي لفظاً ومعنى. وقد ورد في سفر التكوين (11 : 2) : « ولما نسعوا من المشرق وجدوا بقعة في أرض شنعارفأقاموا فيها ».

واتفقت التوراة واللغة الكلدية على تسمية (الجبابرة) المعروفين بكبر الأجسام باسم (كبرو) أو (جيبور). ووردت كلمة الجبابرة في الأصل العبري من التوراة في آية التكوين بلفظ (نوفل) أو (نيفليم) . وهذه المادة تفيد في العربية الغنيمة والزيادة والشدة والعظم ، فالعرب تسمى البحر نوفلاً ، وتسمي بعض أولاد السباع نوفلاً ، قال ابن عباد: والنوفل الشدة.

وإن اسم الفنيقيين أنفسهم عنوان صريح ، ودليل صحيح ، على ما بينهم وبين العرب وسائر الساميين من أواصر القرابة: فإن مادة (فنق) العربية تدل على معنى الترفه والتدلل ، ويقول العلامة الفاضل السيد يوسف دريان إن هذا الفعل جاء في اللغة الآرامية والعبرية شقائق اللغة الفنيقية . وهذا المعنى ـ أي الترفه والتدلل ـ ملازم لمعيشة أهل التجارة كالفنيقيين.

و(قسا) من القسوة بالعربية ، وهو في السريانية والفنيقية والعبرية (قشه) بمعنى توعر وصَلُبَ وقسا ، ومنه (قاسيون) جبل دمشق المشهور.

وعلى ذكر (دمشق) نقول: إن لفظ (الدم) بالعربي موجود بلفظه ومعناه في السرياني والعبري والفنيقي. وكذلك كلمة (سقى) بالعربي تلفظ (شقه) باللغات السامية الأخرى. ويظنون أن من اجتماع لفظي (دم) و(شقه) يتركب اسم مدينة (دمشق) ، ويشيرون بذلك إلى حادثة قتل قاين (قابيل) أخاه هابيل وما يقال من وقوعها في دمشق. قال القديس (هيرونيم) في تفسيره لسفر عاموس (1 : 5) وفي زكريا (9 : 1) : « معنى دمشق : شراب الدم »
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://histoire.lolbb.com
أزار غزلان
Admin


عدد الرسائل : 49
تاريخ التسجيل : 27/10/2006

مُساهمةموضوع: رد: سكان البلاد العربية الأقدمون واللغة التي كانوا يتكلمون بها و   الخميس ديسمبر 28, 2006 4:17 am

وعلى ذكر قاين وهابيل ننقل عن تاريخ سورية للحبر العلامة يوسف الدبس (عدد 18) أن معنى كلمة (قاين) قنية وثمرة. وقد وردت في الكتابات القديمة في نينوى وبابل بمعنى من يقتني عبداً. وربما كانت منها كلمة (قن) بالعربية بمعنى الرقيق. قال: وفسر الربيُّون (هابيل) بمعنى البخار أو (الهبلة) بلغة العامة ، وبمعنى الباطل والغم والحداد ، وفي العربية (هبلته أمه) بمعنى ثكلته ، لأن مقتل هابيل كان لذويه علة الغم والحداد. وقال (أوبر Oppert) في كتابه (الدروس الآثورية : ص 35) : إن هابيل ربما كان مشتقاً من فعل (حبل) العربية فيكون بمعنى وليد. وإن (هابال) و(هيبال) و(أبال) و(هبلو) باللغة الأثورية بمعنى (ابن) . قال العالم (سيلام): « إن كل اللغات السامية أضاعت كلمة (هبلو) بمعنى إبن الأثورية » . ولفظ (حبل) العربي أخو لفظ (هبلو) الأثوري من حيث تلازمها المعنوي.


و(الرُّهام) في العربية بمعنى العدد الكثير ، و(راهام) بالعبرية والفنيقية ولغات أخرى سامية بمعنى الجماعة والجمهور ، ومنه اسم (ابراهيم) عليه السلام فإنه مركب من كلمتي ( أب رهام) ومعناه (أبو الجمهور) .


وقد ورد اسم ابراهيم في القرآن في 69 موضعاً ، منها 33 بلفظ (ابراهام) بالألف في قراءة ابن عامر عن ابن ذكوان ، و36 موضعاً بلفظ (ابراهيم ) بالياء.


ومن الألفاظ التي لا تزال باقية في أكثر اللغات السامية ـ والعربية في جملتها ـ الألفاظ التي في بداية التوراة وهي (برا) بمعنى أوجد و(رواح) بمعنى الريح والروح القدس ، و(يوم) التي تدل على مدة من الزمن ؛ كأن هذه الألفاظ مشتركة في ألسنة أكثر السلائل السامية.


وهناك ألفاظ في بعض اللغات السامية ركبت تركيباً مزجياً بعد نحت أجزائها ، فصارت إلى شكل يظن الإنسان ـ قبل التأمل فيه ـ أنه ليس بينه وبين غيره من مواد اللغات السامية الأخرى علاقة اشتقاقية. مع أن الأمر على خلاف ذلك. ومن الأمثلة على هذا كلمة (عَدْمِش) السريانية بمعنى (حتى الآن) . فمن ذا الذي يظن أن لهذا اللفظ علاقة باللغة العربية؟


إن كلمة (عدمش) مركبة من أربع كلمات:


(عد) : بمعنى حتى


(م) : وهي مختصرة من (ما) الموصولة


(ش) : وهي منحوتة من (هاشعا) ، أما (ها) فحرف تنبيه وإشارة وأما (شعا) فمعناها (الساعة).


قلنا إن (عد) بمعنى حتى ، وهما حرفان متفقان في المعنى ومتقاربان في اللفظ. ومع ذلك فإن في العربية (عتى) وهي في لغة هذيل وثقيف بمعنى حتى. وقد نص القاضي البيضاوي وغيره في تفسير الآية 35 من سورة يوسف على أن قوله تعالى : « ليسجننه حتى حين » قرئ في بعض القراءات « عتى حين ». وفي النهاية لابن الأثير (مادة عتا) : وفي حديث عمر رضي الله عنه بَلَغَهُ أن ابن مسعود يقرئ الناس « عتى حين» يريد « حتى حين » فقال عمر رضي الله عنه: « إن القرآن لم ينزل بلغة هذيل ، فأقرئ الناس بلغة قريش » ، كل العرب يقولون حتى إلا هذيلاً وثقيفاً يقولون عتى. انتهى


والكلمات الثلاث الأخرى وهي (ما) الموصوله و(ها) التنبيه والإشارة و(شعا) التي بمعنى ساعة مما لا يحتاج إلى بيان. فهذه الكلمات الأربع لما ركبت ونحتت ومزجت انتقلت إلى شكلها الغريب الذي أشرنا إليه.


* * * *


وبعد ، فهذا غيض من فيض: أوردناه على سبيل التمثيل فقط ؛ لأن هذا الموضع لا يتسع للبسط والإفاضة. أما استقصاء الموضوع على هذا النحو فلا يتيسر إلا لأهل الاختصاص في معرفة اللغات السامية الجديرة بأن يكون لها معجم لغوي لمقارنة الكلمات العربية بما يشاركها ـ من حيث الاشتقاق ـ في اللغات السبأية والفنيقية والعبرية والسريانية الشامية والسريانية العراقية والمصرية القديمة والحبشية والسقطرية ولغة الأنباط في جنوب فلسطين وسائر اللغات السامية.


وما أشد افتقار العربية إلى معجم مفصل كهذا المعجم ، تقارن فيه الكلمات المتشابهة في جميع اللغات السامية ؛ إذن لاستطاع الناطقون بالضاد اليوم أن يشاهدوا بأعينهم كيف أن لهذه اللغات السامية كلها أصلاً واحداً وهو السامية الأولى التي بادت. وحينئذ ينفتح باب جديد لوضع معجم عربي تحليلي تنكشف به عن مواد لغتنا الشريفة طبقات وأستار ما زالت تتراكم عليها منذ ألوف السنين فتحجب أسرار جمالها وجمال أسرارها.


ولعل القراء قد علموا مما تقدم أن اللغة السامية القديمة لم تضمحل من الوجود بإهمال أبنائها التكلم بها ، أو باضمحلال المتكلمين بها. وحكاية الواقع هي أن المتكلمين بها كان عددهم في بادئ الأمر قليلاً ، وكانوا أشبه بقبيلة واحدة تسكن منطقة غير واسعة وتتكلم بلغة واحدة ؛ فإذا مضت عليهم العصور تكاثروا وتشعبت من القبيلة الأولى قبائل متفرعة عنها تضيق بهم بلادهم ، فإذا مرّ عليهم وهم في هذه الحال نحو عشرة قرون هاجرت فئة منهم مبتعدة عن موطنها الأول إلى أن تحط رحالها في مكان تستطيبه ، وهناك تتوطن وتتناسل ، وتتبدع أسماء جديدة لمسميات جديدة لم تكن موجودة قبل نزوحها عن الموطن الأول ، فتكون الأسماء الجديدة خاصة بها دون قومها الأولين. ومن أعظم ما تتفاوت فيه الفروع اللغوية التي ترجع إلى أصل واحد تباينها في تركيب اللفظ الواحد من ألفاظ متعددة على طريقة المزج والنحت كما رأيت في وضع السريانيين كلمة (عدمش) لمعنى (حتى الآن). ولا ينكر تأثير الإقليم على اللهجة وكيفية النطق وصفة المنطق ، يضاف إلى ذلك تأثير لغة من يختلطون بهم من أهل الوطن الجديد بعد مجاورنهم لهم فيه. كل هذا مما يدعو إلى حدوث شيء من الاختلاف بين لغة الراحلين ولغة قومهم المتخلفين في الوطن الأول. وكلما مضت عليهم عصور أخرى ازداد الإختلاف ولكن ليس إلى الحد الذي يخرج اللغة عن أصلها.


وربما عقدنا فصلاً في أحد الأعداد الآتية من (الزهراء) لهجرات الأمم السامية ، وتحقيق موطنها الأول ، والأوقات التي هاجرت فيها.


وإن ما قيل في لغات المهاجرين يقال في لغة المتخلفين ، فإن ما أدخلته الحاجة على اللغة السامية الأولى من الأسماء الجديدة للمسميات الجديدة ربما كان أكثر عدداً مما دخل من ذلك على اللغات المتفرعة عنها ، لأنها أعرق منهن في القدم ، وأشد منهن توغلاً في أودية المعاني ، وأرسخ منهن نظاماً في فنون البيان وضروب الفصاحة وأساليب اللغة وأدوات زينتها وبدائع حلاها.


فالإرتقاء التدريجي الذي انتهجت تلك اللغة الأولى سبيله عشرات الألوف من السنين أخرجها من شكلها الإبتدائي الذي كان فيه ، وأوصلها إلى مرتبة عالية من مراتب الجمال والكمال. ولذلك نقول: إن اللغة السامية الأولى باقية ولكن بمادتها ، وأنها اضمحلت من حيث الشكل الذي نظن أنه كان لها قبل زمن التاريخ.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://histoire.lolbb.com
 
سكان البلاد العربية الأقدمون واللغة التي كانوا يتكلمون بها و
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المغرب بلد التاريخ والحضارة :: الأقســـام والمنتديــات :: المسالك والممالك :: بحوث وعروض طلابية-
انتقل الى: